أدعياء التنويرالشبهات والردودالمقالاتشبهات حول السنةشبهات وردود

يجبُ رفضُ الحديثِ الصَّحيحِ إذا خالفَ العَقْلَ!

(51) زعم البحيري: أنَّه يجب رفض الحديث الصَّحيح إذا خالف العَقْل، وقال إنَّ الإسنادَ لو صَحَّ ونقله لؤلؤ عن لؤلؤ وأتى بِنَصٍّ مُتَخَلِّف – هكذا قال – ولم يقبله العقل، فيجب علينا أن نرفضه.

– الرَّدّ: نعوذ بالله مِن الزَّيغ والضَّلال والبُهتان1، هذا إفكٌ وكلامٌ باطلٌ مِن وُجُوه كالآتي:

أولًا: من الذي جعل العَقْل حَاكِمًا على النَّقْلِ مِن الكتاب والسُّنَّة وربّنا – سُبحانه وتعالى – يقول: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31].

وربنا يقول:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].

وربنا يقول: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].

وربنا يقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].

وربنا يقول: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51].

وربنا يقول: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].

وربنا يقول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]

ثانيًا: لنفترض جَدَلًا أنَّ العَقْلَ عَمِلَ وَفَكَّرَ بعيدًا عن ضوابط الشَّريعة وأحكامها، فوراء أيّ عقل نسير، ونفهم عنه كلام الله ورسوله ﷺ؟ لأنَّ كلّ واحدٍ مِنَّا له عقل، وعليه يكون عندنا أكثر من مليار شريعة، أنترك كلّ هذه العُقُول ونتَّبع عقلك أنتَ يا بحيري؟!

ثالثاً: إنِّي سَائِلُ البحيري سؤالًا وهو: هل عُقُول الأُمَّة الإسلامية سَلَفًا وَخَلَفًا مجموعةٌ في عقلك أنتَ، أو في عقل رجلٍ واحدٍ؟!

فإن قلتَ (نعم): وأضفتَ مجموع العُقُول لغيرك، فقد أسقطتَ نفسَك بنفسِك؛ حيث أنّ عقلك قاصرٌ عن عَقْل صاحب مجموع العُقُول، وإنْ أضفتَ المجموع العقلي لنفسك أنتَ فقد أسقطتَ من سلفك من العقلانيين الذين تُروِّج أنت لمنهجهم، فليزم من فعلك آنذاك التَّناقض.

وإنْ قلت (لا): إنَّما لكل واحدٍ مِنَّا عقله المُستقِلّ به، فكيف تجعل عقلك أنت حاكمًا على عقل غيرك، وكلاكما في العقلانية على حَسَب منهجك سواء، فيلزم من ذلك أن تُسلِّم أيضًا بما يَأتي به عقل الآخرين.

رابعاً: ولنفترض جدلاً أنَّ العَقْلَ حَاكِمٌ على الوَحْيَين، فعقلك أنتَ قال بقولٍ، وعقلنا نحن أهل السُّنة جميعًا قال بقولٍ آخرٍ، فأيّ القولين تختار؟

إن قلتَ: أختار قولي، قُلنا لك على أيّ أساس اخترتَ؟ فالعقل لا يقضي على عقلٍ مثله، فكيف بعقلٍ يقضي على مجموعة عُقُول لا يحصيهم إلَّا الله؟ أليس من العَقْل أنَّ الكثرة الكاثرة هُم الأقربُ إلى الحقّ دُون القِلَّة؟ فإن زعمتَ أنْ لا، فقد خالفتَ أنتَ العَقْلَ، فلا يسعك إلَّا أن تُسلِّم.

خامساً: يستحيل واقعًا تمامًا أن يتماثل عقلان في تفصيلات كلّ شيء، فكيف نجعل العُقُول وهي بهذه الصُّورة حكمًا على كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ.

سادساً: وإنِّي سائلك أُّيها العقلاني سؤالاً آخر وهو: هل يُوجد عقلٌ عندكم أيُّها العقلانيون خالٍ من النِّسيان، ومن الشَّهوات، ومُجرَّد عن الهَوَى، ومُنزَّه عن كلّ شائبةٍ تشوبه، خالٍ مِن هذا كلّه؟

فإن قلتَ (نعم): فقد كذبتَ، بل كفرتَ، لأنك أصبحتَ تدَّعي العِصْمَة لمَن لا عصمة له، وربّنا العزيز يقول: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [غافر: 5]، ويقول تعالى: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء: 11]، ويقول سبحانه {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف: 54]، ويقول جَلَّ وعلا: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ} [الأعراف: 179]… وغير ذلك.

وإن قلتَ (لا): فكيف تجعل عقلًا هذا حَالُه أو مِن حَالِه، كيف تجعله وهو بهذه الصُّورة حاكمًا على كلام ذي الكمال والجلال والعظمة، وحاكماً على كلام المعصوم ﷺ؟

سابعاً: أجمعت الأُمَّة، وتواتر إليها كيفية مناسك الحجّ، فقُل لي بعقلك يا مُدَّعي العَقْل، لماذا نطوف حول حَجَر، ونسعى بين حَجَرَين، ونُصلِّي خلف المقام وهو حَجَر، ونرمي حَجَرًا بِحَجَرٍ، ونُقَبِّل حَجَرًا، بل وقِبْلَة المُسلمين في مشارق الأرض ومغاربها حَجَرٌ، ومع هذا كلّه فالمَلِك – سُبحانه وتعالى – نَهَى عن عِبَادة الأحجار وغيره معه، كيف يستطيع عقلك أن يحلَّ هذا؟!

فإذا اتَّضح لك ذلك، انهدم مذهب عقلانيتك الباطلة، وما بقيَ أمامك إلَّا طريق التَّسليم والإذعان والقَبُول لله – عز وجل – ولشرائعه، دون أي جدل أو اعتراض؛ لأنَّ هذه الأشياء مُتواترة تواترًا مُستفيضًا عند المُسلمين، فوجب أن تقول: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]، واحذر من قول اليهود: {قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 93].

وقِس على هذا المثال الكثير: فمثلاً قصّة أمّ مُوسى – عليه السلام – مع إلقاء ولدها في الْيَمِّ وهي خائفة عليه، هل العقل يقتضي ذلك؟ أم أنَّه مُطلق الإذعان والتَّسليم لأوامر الله دون تَدَخُّلِ عَقْلٍ أو جَدَل؟

ومثلاً: نُزُول الملائكة مِن السَّماء وصُعُودهم إليها، هل عقلك يعقل هذا وكيفيته؟

ومثلاً: رِحلة الإسراء والمِعراج، والبُراق، وأن يَتِمّ هذا كلّه في ليلة، هل يعقل عقلك هذا؟ أم أنَّك تُكذِّب القُرآن الكريم؟

ومثلاً: لماذا الصَّلاة والصَّوم والعِبادات و…، لماذا نُؤدِّيها لله خالصة، والله – سُبحانه وتعالى – لا يستفيد مِن أعمالنا وعبادتنا، ولا يزيد في مُلكه شيئاً، هل نترك العبادة لمُقتضى العَقْل الفاسد؟

…، وغير ذلك الكثير والكثير، ممَّا يدُلّ على باطل ذلك المذهب العقلاني التَّنويري الفاسد، والذي يُؤدِّي إلى فساد الدِّين والدُّنيا – عياذًا بالله -.

ويؤدِّي صاحبه إلى أنْ يقول في الآخرة: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10، 11].

قال شيخ الإسلام «ابن تيمية» رحمه الله في «مجموع الفتاوى» (5/29): [وَيَكْفِيك دَلِيلًا عَلَى فَسَادِ قَوْلِ هَؤُلَاءِ: إنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدِ مِنْهُمْ قَاعِدَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ فِيمَا يُحِيلُهُ الْعَقْلُ، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْعَقْلَ جَوَّزَ وَأَوْجَبَ مَا يَدَّعِي الْآخَرُ أَنَّ الْعَقْلَ أَحَالَهُ. فَيَا لَيْتَ شِعْرِي بِأَيِّ عَقْلٍ يُوزَنُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ؟ فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ حَيْثُ قَالَ: أَوَكُلَّمَا جَاءَنَا رَجُلٌ أَجْدَلُ مِنْ رَجُلٍ تَرَكْنَا مَا جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ إلَى مُحَمَّدٍ ﷺ لِجَدَلِ هَؤُلَاءِ.] اهـ

ونختم ردّنا هذا على قِصَرِهِ واختصاره بكلام «الرَّازي» المعلوم قدره في العُقُول والمعقول، يقول في نهاية عمره مُقِرًّا بندمه2:

نِهَايَةُ إِقْدَامِ الْعُقُولِ عِقَالُوَغَايَةُ سَعْيِ الْعَالَمِينَ ضَلَالُ
وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَاوَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ
وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَاسِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ: قِيلَ وَقَالُوا
فَكَمْ قَدْ رَأَيْنَا مِنْ رِجَالٍ وَدَوْلَةٍفَبَادُوا جَمِيعًا مُسْرِعِينَ وَزَالُو
وَكَمْ مِنْ جِبَالٍ قَدْ عَلَتْ شُرُفَاتِهَارِجَالٌ، فَزَالُوا وَالْجِبَالُ جِبَالُ

[لَقَدْ تَأَمَّلْتُ الطُّرُقَ الْكَلَامِيَّةَ، وَالْمَنَاهِجَ الْفَلْسَفِيَّةَ، فَمَا رَأَيْتُهَا تَشْفِي عَلِيلًا، وَلَا تُرْوِي غَلِيلًا، وَرَأَيْتُ أَقْرَبَ الطُّرُقِ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ، اقْرَأْ فِي الْإِثْبَاتِ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}، وَاقْرَأْ فِي النَّفْيِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}.

ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ جَرَّبَ مِثْلَ تَجْرِبَتِي عَرَفَ مِثْلَ مَعْرِفَتِي.] اهـ


([1]) هذا رد موجز جدًا، وربما قريبًا جدًا تجد رسالة عن هذا ضمن سلسلة «ردود قرار إزالة»، والله ولي التوفيق.

([2]) انظر: «سير أعلام النبلاء» (21/504) / «مجموع الفتاوى» (4/73) / «شرح العقيدة الطحاوية» ص (126).

زر الذهاب إلى الأعلى