المقالاتتعزيز اليقينمقالاتمقالات أخرى

كيف تقوي يقينك بالله عز وجل؟

كيف تقوِّي يقينك بالله عز وجل؟

تعريف اليقين:

اليقين في اللغة هو العلم الذي لا شك معه، واليقين بالله عز وجل هو الاعتقاد الجازم بوجوده اعتقادًا لا يخالطه أقل شك، ولا يتطرق إليه أدني وهم، فهو اعتقاد راسخ رسوخ الجبال؛ لذا تتحطم عليه معاول الشبهات، وتنكسر دونه مطارق الشكوك.

وهذا اليقين هو بغية كل مؤمن، ومطلب كل مسلم؛ لأنه يجد في رحابه راحة نفسه، وطمأنينة قلبه، وسعادة رُوحه، ومنشأ هذه الراحة والسعادة أن الإنسان قد عرَف في ظله مَن خلَقه، ولماذا خلقه، وما هو مصيره بعد الموت، لذلك ارتاح عقله من الفكر، وقلبه من الشك، وعندها يتوجه إليه بالعبادة، ويخصه بالطاعة.

إن أكثر شيء يشوش على الإنسان عقله وقلبه: ألَّا يعرف خالقَه، ولا لماذا خلقه؛ لذلك يظل يتيه في أودية من الشكوك، ويتردد في متاهات من الظنون، وهذا ما تجده عند الملحد الذي أنكر وجود ربه، وجحد نعمه عليه، فيظل في صراع مع الشك والقلق إلى أن تكون نهايته في كثير من الأحيان إلى الانتحار.

لذلك كان أكثر ما يحرص عليه المؤمن أن يبحث عن الوسائل التي تقوي يقينه بربه، وتملأ قلبه إيمانًا به وتصديقًا.

وأول هذه الوسائل وأهمها:

1- التفكر في مخلوقات الله عز وجل:

إن من أعظم الدلائل على وجود الله عز وجل هو مخلوقاته التي أبدعها، ونسجها على أكمل وصف، وأبدع نظام، فمن يتأمل في هذا الكون بشموسه وأقماره، وبحاره وأنهاره، ونباتاته وأشجاره، ويتأمل ما فيه من تنوع المخلوقات، وتباين الكائنات، يدرك لا محالة أن من رواء هذا كله إلهًا خالقًا مدبرًا حكيمًا، خلق هذا الكون بعلمه وقدرته، ونظمه بحكمته ومشيئته، فكل شيء فيه بحساب، وكل ذرة فيه بمقدار، وله قوانين صارمة تحكمه، وتسيره بدءًا من الذرة إلى المجرة، وأنه يستحيل أن يكون هذا الكون كله أتي من لا شيء كما يزعم أهل الإلحاد.

إن من بديهيات العقول أن لكل مسبب سببًا، ولكل حادث محدثًا، ولكل موجود موجدًا، فهذا حكم العقل في أقل الأشياء وأحقرها، فما بالكم بهذا الكون الكبير الذي كل شيء فيه يسير بنظام محكم، وضبط دقيق.

إن التفكر في هذه المخلوقات سيقودك حتمًا إلى اليقين الجازم بوجود الله عز وجل، وسيملأ قلبك بإجلاله وتعظيمه، لذلك أمرنا الله عز وجل بالتفكر الدائم في مخلوقاته، والبحث الدؤوب في أسرار صنعته، وبيَّن أن أصحاب العقول الواعية والألباب الزاكية هم الذين يتفكرون في آياته، ويتأملون بديع صنعها، ودقة تكوينها، فقال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 164]، وقال أيضًا: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 190، 191].

ولَمَّا كان التفكر بهذه الأهمية، فإن الله عز وجل أكثر من الاستدلال به في محاجة المشركين به والمنكرين ألوهيته؛ لكي يردهم إلى الحق، ويأخذ بأيديهم إلى طريقه المستقيم؛ قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 185]، وقال أيضًا: ﴿ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾ [النازعات: 27 – 33]، وقال: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾ [الغاشية: 17 – 20].

وكذلك التفكر في خلق الإنسان من أكبر الأدلة على وجود الله عز وجل، وقد أمرنا الله بذلك، ولفَت أنظارنا إليه، فقال: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الذاريات: 20، 21].

لذلك من يتأمل في خلق الإنسان، وكيف يكون نُطفة ثم علقة ثم مضغة ثم جنينًا، ثم طفلًا فشابًّا فشيخًا، وهو في كل هذه الأطوار محاط بالعناية والرعاية، قد هُيِّتْ له كل أسباب الغذاء التي تحفظ عليه حياته، وتستبقي قوته، كل ذلك مع ضَعفه وتمام عجزه، ثم يتأمل في أجهزته؛ من جهاز عصبي، ودوري، ومناعي، وسمعي، وبصري، وهضمي، وغيرها كثير، وكلها تعمل في تناسق مذهل، وإحكام مدهش يدرك أنه لا يمكن أن يكون هذا كله من عمل العشوائية والصدف كما يدَّعي الملحد، وإنما هو من إبداع خالق حكيم سبحانه وتعالى.

لذلك كله كان التفكر عبادة من أعظم العبادات، وقربة من أجل القربات، بل جعلها ابن عباس خيرًا من قيام الليل، فقال: “تفكُّر ساعة خير من قيام ليلة” (1)، وما ذلك إلا لجليل نفعه، وعظيم أثره.

وعلى العموم فكلما زاد المؤمن تفكرًا في مخلوقات الله عز وجل، زاد يقينًا به، وإدراكًا لعظمته وقدرته.

2- قراءة القرآن الكريم بتدبر:

القرآن الكريم هو كلام الله عز وجل إلى خلقه، وحُجته على عباده، لذلك من أراد اليقين بالله، فليسمع كلامه، وليتدبر آياته.

إن آيات القرآن الكريم كلها ناطقة بأنها كلام الله الحكيم الحميد: ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [فصلت: 42].

إن من يقرأ القرآن بتدبر، ويفتح له قلبه وعقله، يشعر بأن الله يهديه إلى سبيله، فهناك في القرآن رُوح عجيبة، روح تسري إلى القلب، فيتملَّكه العجب من روعته، وتشع في النفس فيأسرها ببلاغته؛ لذلك كان يأسر قلوب الكافرين به، المعاندين له، فها هم كفار مكة عندما يسمعون القرآن لا يلبثون إلا أن يُقروا بعظمته، ويذعنوا لفصاحته، فيصفوه بكل جميل، وينعتونه بكل حسنٍ مع إجلال له وإكبار، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلٍ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: يَا عَمِّ، إِنَّ قَوْمَكَ يَرَوْنَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا، قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: لِيُعْطُوكَهُ فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتَعْرِضَ لِمَا قِبَلَهُ، قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالًا، قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلا يَبْلُغُ قَوْمَكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ أَوْ أَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ، قَالَ: وَمَاذَا أَقُولُ؟ فَوَاللَّهِ مَا فِيكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمَ بِالأَشْعَارِ مِنِّي، وَلا أَعْلَمَ بِرَجَزِهِ وَلا بِقَصِيدَتِهِ مِنِّي، وَلا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَوَاللَّهِ، إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ حَلاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وَإِنَّهُ لَمُثْمِرٌ أَعْلاهُ، مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلى، وَأَنَّهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ، قَالَ: لا يَرْضَى عَنْكَ قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ، قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ، فَلَمَّا فَكَّرَ، قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يُؤْثَرُ يَأْثُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴾ [المدثر: 11].

وها هو عتبة بن ربيعة عندما جاء يعرِض على النبي صلى الله عليه وسلم مطالب قومه، تلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم الآيات من أول سورة فصلت حتى انتهى إلى قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [فصلت: 37]، فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد، فأنت وذاك، فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله، لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني قد سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزُّه عزكم، وكنتم أسعدَ الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم (2)، ومع ذلك ما منعهم من الإيمان به إلا جحودُ قلوبهم، وضلالة عقولهم.

وها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما كان سبب إيمانه إلا تلألؤُ أنواره في قلبه، وسريان روحه إلى نفسه، فجعلت منه خلقًا آخرَ، وحوَّلته من أكبر المعاندين له إلى أكبر المؤمنين به، وذلك عندما قرأ أوائل سورة طه من صحيفة كانت عند أخته، وكانت قد أسلمت قبله، فذهب ليعنِّفها، فوجد عندها الصحيفة، فلما قرأ أوائل سورة طه، سلب القرآن لبَّه، واستولى على نفسه، وسرت رُوحه في كيانه، فما فارق بيت أخته إلا وقد أعلن إسلامه (3)، وهذا التأثير من الدلائل على إعجازه، وأنه من عند الله العلي الحكيم.

ولا يقتصر إعجاز القرآن على أثره البالغ في النفوس، بل إنه يمتد إلى ما هو أكثر من ذلك، فالقرآن الكريم فيه جواب لكل سؤال، وحل لكل معضلة، وهدي لكل سالك، وراحة لكل قلق، وسكينة لكل خائف، فيه المواعظ والقصص، فيه التشريع والأحكام، فيه بيان حقيقة الكون والإنسان ولماذا خلق، وما الهدف من خلْقه، وإلى أين يسير، فيه الجدل والحجاج، فيه الحجة والمنطق، فيه كل ما يحتاجه الإنسان في أمر دينه وتطهير نفسه وقلبه، وتنظيم شؤون حياته، وصدق الله إذ يقول: ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ [الأنعام: 38]، فهل يعقل بعد هذا كله أن يكون القرآن الكريم صنعةَ بشر، كلَّا، وألف كلَّا، إنه لا يقدر على ذلك إلا ربٌّ عليم حكيم، وليس في قدرة البشر أن يأتوا بمثله، أو ينسجوا على منواله، وصدق الله إذ يقول: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ [الإسراء: 88].

لذلك من أراد تطهير قلبه من الشكوك، وتنقية نفسه من الأوهام، وتنحية عقله عن الشبهات، وتقْوِية اليقين في قلبه – فعليه بمعايشة القرآن الكريم، وتدبُّر آياته، وقراءته آناء الليل وأطراف النهار.

وفي هذا يقول محمد رشيد رضا: “واعلم أن قوة الدين وكمال الإيمان واليقين، لا يحصلان إلا بكثرة قراءة القرآن واستماعه، مع التدبر بنيَّة الاهتداء به والعمل بأمره ونهيه، فالإيمان الإذعاني الصحيح يزداد ويقوى وينمو، وتترتب عليه آثارُه من الأعمال الصالحة، وترك المعاصي والفساد بقدر تدبُّر القرآن، وينقص ويضعف على هذه النسبة من ترك تدبره، وما آمن أكثر العرب إلا بسماعه وفَهمه، ولا فتحوا الأقطار، ومصَّروا الأمصار، واتَّسع عمرانهم، وعظم سلطانهم، إلا بتأثير هدايته، وما كان الجاحدون المعاندون من زعماء مكة يجاهدون النبي ويَصدونه عن تبليغ دعوة ربِّه إلا بمنعه من قراءة القرآن على الناس”(4) .

3- قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم:

إن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مليئة بدلائل نبوته، ناطقة بصدق رسالته، فهي رسم تفصيلي لأحداث حياته، ومجريات دعوته، فمن يتأمَّلها بصدق قلب، وصفاء نفس، يجد أنه رسول الله حقًّا، وأمينه على وحيه صدقًا، فيها كفاحه في سبيل توطيد أركان دعوته في الأرض، وجهاده لرفع لوائها، وإعلاء منارها، وفيها بيان لحسن أخلاقه الذى أسر القلوب، وفيها عبادته وتبتُّله لربه، وفيها معجزاته، وفيها تأييد الله عز وجل له ونصرته في وقت الضَّعف، حتى أتم الدين، وبلَّغ الرسالة، وبعدما كان فردًا وحيدًا مات وعدد أصحابه ما يقارب مائة ألف نفس، ومازال العدد يتكاثر، إلى أن وصل الآن مليار ونصف المليار مسلم.

إن أحداث هذه السيرة العطرة تنطق بلسان الحال، أن كل هذه الأمور مجتمعة لا يمكن أن تكون إلا لنبي مؤيد من السماء، محفوف بالعناية من ربه ومولاه، وأنه لا يمكن أن يكون موفقًا في دعوته، مسددًا في رسالته، إلا بمعونة قدرة فوق قدرة البشر، وحكمة تعلو حكمة البشر، ومن هنا يزداد يقين قارئ سيرته، ويعلم أن هناك قدرة إلهية عبَّدت له الطريق، وذلَّلت له السبيل، حتى نصر الله به الدين، وأتم به الرسالة.

4- قراءة قصص الأنبياء:

إن قراءة قصص الأنبياء تُثبت اليقين في القلوب، وتغرسه في النفوس، وتملأ الروح بالأنس والطمأنينة؛ قال تعالى: ﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [هود: 120]، فإذا كانت قصص الأنبياء فيها تثبيت لقلب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فما بالنا نحن مع ضَعف إيماننا وقلة يقيننا.

إن العيش مع الأنبياء في كفاحهم مع أقوامهم المعاندين، وصبرهم على ما لاقوه من عنت وأذى، يدرك أنهم ما صبروا كل هذا الصبر إلا إرضاءً لربهم بتبليغهم لرسالته، وأن أي إنسان لا يمكن أن يتحمَّل كل هذا العنت والمشقة، إلا إذا كان له ربٌّ يرجوه، ويطلب رضاه.

وعندما نقرأ عن معجزاتهم التي أيدهم الله عز وجل بها، ندرك مدى القدرة الإلهية التي لا يعجزها شيء، والتي خرقت لهم القوانين، وخالفت من أجلهم الأسباب، فكل هذا له أكبر الأثر في تقوية اليقين بالله عز وجل، وترسيخه في النفس والقلب.

5- قراءة سير الصالحين:

عندما نقرأ سير الصالحين ونتعرف على أخبارهم، نجد أنهم كانوا خاشعين في محراب العبودية، وكانوا يلهجون بذكر الله، ويستبشرون بالثناء عليه، فقراءة أخبارهم ومطالعتها من روافد اليقين إلى القلوب، وهو بابٌ من الأبواب الموصلة إلى تقوية اليقين في النفوس، ولا تقتصر قراءة سير الصالحين ومعرفة أخبارهم على الكتب فقط، بل هناك أيضًا علماء صالحون كُثُر يعيشون بيننا.

6- مجالسة الصالحين:

إن مصاحبة الصالحين، وحضور مجالسهم، لها أثر كبير في تقوية اليقين بالله عز وجل؛ لأن الإنسان بطبعه يتأثر بمن حوله، ويتعلق قلبه بمن يُكثر من مصاحبتهم والجلوس إليهم؛ لذلك عندما تجالس الصالحين، فإنك تتأثر بهم، وتتعلم منهم، وعندها يقوى إيمانك ويزداد يقينُك؛ لأنك ترى أمامك مُثُلًا حية رسَخ اليقين في قلوبهم، واطمأنت إليه نفوسُهم، ترى قلوبهم تتعطش للقاء الله، فلا يجلسون إلا لمدارسة قرآنه، ولا يسيرون إلا للصلاة له، ولا يجتمعون إلا محبة فيه، فمجالسة أمثال هؤلاء كلها خير وبركة، وبها يزداد اليقين، ويرسخ الإيمان.

7- قراءة الكتب العلمية المتعلقة بالكون:

هناك كتب علمية مبسطة لغير المتخصصين، تتحدث عن الكون والظواهر الطبيعية فيه، وتشرح بأسلوب علمي سهل مدى دقة قوانينه وانضباطها من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة، كما توجد كتب تتحدث عن أسرار الكائنات الحية وخاصة الإنسان، وتشرح عمل خلاياها ووظائف أعضائها، وتظهر مدى الدقة المتناهية، والتناغم المدهش بين كل هذه الأعضاء، كما تظهر أسرارًا يعجِز العقل عن تصورها وإدراكها، فقراءة مثل هذه الكتب تجعلك تشعر بعظمة الخالق عز وجل، وتدرك مدى قدرته وحكمته التي أبدعت هذه الكون وكائناته على مثل هذا النظام الدقيق، والإبداع المحكم.

فقراءة مثل هذه الكتب تُعينك على التفكر في مخلوقات الله عز وجل، وتمدك بسيل هائل من أسرار الخلق، وآيات الإبداع والتكوين مما يملأ قلبك باليقين بالله عز وجل، وباستشعار عظمته وحكمته.

ولا يقتصر الأمر على القراءة فقط، فهناك أيضًا البرامج الوثائقية، وهي مليئة بالفوائد الغزيرة التي ندرك من خلالها عظمة الخالق.

8- عدم سماع المتشككين والجلوس إليهم:

لقد كثُر في زماننا الإلحاد والتشكيك في وجود الله عز وجل، وأصبح له دعاة يروجون له، ومواقع على الإنترنت تدعو إليه، وأصبح هناك منتديات يجتمع فيها الملحدون؛ لكي يشيعوا باطلهم، وينشروه فيما بينهم، وهنا لا بد لكل مؤمن يريد الحفاظ على سلامة قلبه، وطمأنينة نفسه – أن يَمتنع عن السماع لهم، والجلوس إليهم، أو الدخول على مواقعهم؛ حتى لا تعْلَق الشبهات بقلبه، وتتوطن الشكوك بعقله، ويظل يسترسل في مجالستهم، حتى تتراكم عليه هذه الشبهات، وتتكاثر في قلبه هذه الشكوك، ويفقد يقينه، ويضيع منه إيمانُه، لذلك حذَّرنا الله عز وجل من مجالسة أمثال هؤلاء، فقال تعالى: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾ [النساء: 140]، وقال أيضًا: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنعام: 68]، فهذه وصية الله عز وجل لنا، وهو أعلمُ بطبائع القلوب وخفايا النفوس، وهو أعلم أن القلوب سريعة التأثر، كثيرة التقلب؛ لذلك ينبغي الحذر كل الحذر من مجالسة الملحدين والسماع منهم، والدخول إلى مواقعهم ومنتدياتهم.

9- الدعاء:

الدعاء سلاح من أمضى الأسلحة في تقوية اليقين، وزيادته في القلب، وعندما تتضرع إلى الله عز وجل بقلب خاشع، ونفس صادقة، وتلح عليه في الدعاء أن يهبك يقينًا راسخًا رسوخ الجبال، فإن الله عز وجل سيحقق رجاءك، ويعطيك طِلبتك، وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك؛ حيث قال: “سَلُوا اللهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ، وَالْيَقِينَ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى”(5) ، كما كان يكثر من الدعاء لله عز وجل أن يهبَه اليقين، ويملأ قلبه ونفسه به، فعن ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ: «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُبَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا…”؛ الحديث (6) .

وأخيرًا: اليقين مثله مثل النبتة الصغيرة المغروسة في الأرض، إن تعهدتَها بالسقي والرعاية، والوقاية من الحشائش الضارة، والحشرات التي قد تُهلكها وتأتي عليها، فإن هذه النبتة الصغيرة سوف تتعمق جذورها في الأرض، وتبسُق فروعها في السماء، أما إذا أهملتها وتركتها فريسة لما يضرها، ويذهب بنضارتها، فسوف تموت في مهدها، وتُجتَثُّ من أصلها.

فكذلك اليقين في قلبك كلما تعهَّدتَه بالوسائل السابق ذكرها، كلما تعمَّقت جذوره، وقوِي عودُه، وصَلُب بنيانُه، واشتدت أركانُه، أما إذا أهملت هذه الوسائل وعرَّضت قلبَك لشبهات المشتبهين، وشكوك الشاكين، فسوف تتراكم عليه الشبهات من كل جانب، وتتعاوره الشكوكُ من كل ناحية، فلا تلبث قليلًا إلا وقد ذهبت البقية الباقية من يقينك، أعاذنا الله من ذلك المصير المشؤوم، وحمى أولادنا ومجتمعاتنا من وخامة عاقبته، وسوء منقلبه.

والحمد لله رب العالمين

[1] أخرجه أحمد في الزهد ( 172 ).

[2] السيرة النبوية لابن هشام 1/ 294.

[3] روى قصة إسلامه الإمام أحمد بن حنبل في ( فضائل الصحابة ) ( 371).

[4] تفسير المنار 9/463.

[5] رواه أحمد ( 6 )، وقال محققو المسند: إسناده حسن.

[6] الترمذي ( 3502 )، وحسَّنه الألباني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى