الأديان والفرق والمذاهبالشبهات والردودالشيعةالمقالاتشبهات حول الصحابةشبهات وردود

شبهة: عمار بن ياسر يشتم عثمان بن عفان!!

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد:

فقد سألني أحد الإخوة الأفاضل عما جاء في هذه الصورة من كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد.

8562170518 0885c9bb95 b 3

فاستعنت بالله وكتبت ردًا على هذه الرواية أقول:

أولا: إنْ صَحَّتِ الرواية ووقع هذا السَّبُّ من عمار في حق عثمان رضي الله عنهما فلقد وقع ما هو أكثر من السَّبِّ، وهو القتال!! ووقوع القتال بين المؤمنين لا يعني الفِسْق أو الكُفْر أو ينفي العدالة عن أحد الطرفين أو كليهما، فقد قال الله سبحانه وتعالى: { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }.(1)

فمع وقوع القتال بينهما وَصَفَ اللهُ الفريقينِ بالمؤمنين، وبعد أن تَوَّجَ الله هذه الطوائف المتقاتلة بالشهادة لها الإيمان شَهِدَ لها في الآية التي تليها بِالْأُخُوَّةِ الإيمانية، فقال جَلَّ جلاله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }.(2)

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ .. ].(3)

قال الإمام ابن كثير: [ وَهَاتَانِ الْفِئَتَانِ هُمَا أَصْحَابُ الْجَمَلِ، وَأَصْحَابُ صِفِّينَ. فَإِنَّهُمَا جَمِيعًا يَدْعُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا يَتَنَازَعُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُلْكِ، وَمُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ الْعَائِدِ نَفْعُهَا عَلَى الْأُمَّةِ وَالرَّعَايَا، وَكَانَ تَرْكُ الْقِتَالِ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ ].(4)

وأيضا قد شَهِدَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم لمعاوية رضي الله عنه وفريقه بالإسلام، فقال للحسن بن علي رضي الله عنهما: [ إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ].(5)

وهذا عَيْنُ ما حَدَثَ بين فريق الحسن بن علي رضي الله عنهما وفريق معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، وقد تم الصُلْحُ بين الفريقين بالفعل، وتحققت النبوءة النبوية بعد أكثر من أربعين سنة!! وهذا كله يدل على أن القتال لا ينفي الإسلام أو الإيمان عن الفرق المتقاتلة، فإن كان وقوع القتال بين المؤمنين لا يجعلهم فاسقين، فمن باب أولى ألا يكون الشتم كذلك! ولا يحتج علينا أَحَدٌ بحديث: [سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر]، لأن هذا محمول على مَنَّ سَبَّ أَو قاتَلَ مسلمًا من غير تأْويل، وقيل: إِنما قال ذلك على جهة التغليظ، لا أَنه يُخْرِجُه إِلى الفِسْقِ والكفر.(6)

ولو فرضنا وقوع السب من بعض الصحابة؛ فكان ماذا ؟! أليس الصحابة بَشَرًا كالبشر، يُصِيبُون ويُخْطِؤون، ويضحكون ويبكون، ويَسعدون ويحزنون، ويرضون ويغضبون، ويأكلون ويشربون، ويطيعون ويعصون؟! فهل قال لكم أحد إننا نقول بعصمتهم؟! ألم يقع الزنا من ماعز والغامدية؟!

ألم يَتَخَلَّفْ بعضُهُم عن الغزو وتابوا حتى تاب الله عليهم وتقبل توبتهم؟!

ألم يُخَالِفْ بعضُهُم أمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أُحُدٍ فنزلوا من على الجبل مما أَدَّى لهزيمة المسلمين يومئذ؟!

نعم الصحابة رضي الله عنهم بشر يُخطئون ويصيبون، ولكنهم كانوا صالحين، يسارعون بالتوبة إذا عَصوا وأخطؤوا ، فماذا إنْ وَقَعَ مِن أَحَدِهِم خطأ أو معصية، مع نُدْرَةِ معصيتهم وقِلَّةِ أخطائهم؟! 

ثانيًا: أول شروط صحة الرواية هو اتصال السند، وهذه الرواية في سندها انقطاع ظاهر! وإليك الرواية بسَنَدِهَا: قال الإمام ابن سعد: [قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا أبو حفص وكلثوم بن جبر عن أبي غادية قال: سمعت عمار بن ياسر يقع في عثمان يشتمه بالمدينة قال: فتوعدته بالقتل قلت: لئن أمكنني الله منك لأفعلن. فلما كان يوم صفين جعل عمار يحمل على الناس. فقيل هذا عمار. فرأيت فرجة بين الرئتين وبين الساقين. قال فحملت عليه فطعنته في ركبته. قال: فوقع فقتلته. فقيل قتلت عمار بن ياسر. وأخبر عمرو بن العاص فقال: [سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول إن قاتله وسالبه في النار] . فقيل لعمرو بن العاص: هو ذا أنت تقاتله. فقال: إنما قال قاتله وسالبه]..(7)

وأبو حفص وكلثوم بن جبر لم يحضرا هذه الواقعة!

قال الإمام الذهبي: [إِسْنَادُهُ فِيْهِ انْقِطَاعٌ].(8)

ومن المعلوم أن أول شروط صحة الرواية هو اتصال الإسناد.

قال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح: [ أَمَّا الْحَدِيثُ الصّحِيحُ: فَهُوَ الْحَدِيثُ الْـمُسْنَدُ الّذِي يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ بِنَقْلِ الْعَدْلِ الضّابِطِ عَنِ الْعَدْلِ الضّابِطِ إِلَى مُنْتَهَاهُ ، وَلَا يَكُونُ شَاذّاً ، وَلا مُعَلَّلًا ].(9) قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: [وقال سائر أهل الفقه وجماعة أصحاب الحديث في كل الأمصار – فيما علمتُ – : الانقطاع في الأثر عِلَّةٌ تمنع من وجوب العمل به، وسواء عارضه خبرٌ مُتَّصِلٌ أم لا ].(10)

فليس مجرد توثيق الرواة كافٍ لتصحيح الرواية كما كتب ناشر الصورة عليها ليوهم القارئ بصحة الرواية!

ثالثا: هناك استثناء شرعي واضح لبعض الناس بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم، وابن سعد صاحب الطبقات ذكر هذه الرواية ضمن الطبقة الأولى من البدريين من المهاجرين والأنصار، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: [لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ].(11) قال الله سبحانه وتعالى: { وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }.(12)

فهؤلاء قوم قد حطوا رِحَالَهم في الجنة، والاستدلال بمثل هذا على جواز سَبِّ الصحابة كعثمان بن عفان وغيره من أبطل الباطل وأضلِّ الضلال! فهل مَنْ يَسُبُّ الصحابة اليومَ يأمن على نفسه النفاق أو نزل فيه نصٌّ صحيحٌ صريحٌ يضمن له الجنة كهؤلاء الأكَابِر؟!

والحمد لله رب العالمين ،،،،

———–

مراجع البحث:

1. سورة الحجرات – آية: 9.

2. سورة الحجرات – آية: 10.

3. صحيح البخاري – حديث رقم: 7121. 

4. البداية والنهاية ج9 ص192.

5. صحيح البخاري – حديث رقم: 2704.

6. لسان العرب لابن منظور ج1 ص455، ط دار صادر – بيروت.

7. الطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص241، ط مكتبة الخانجي – القاهرة.

8. سير أعلام النبلاء ج2 ص544، ط مؤسسة الرسالة – بيروت.

9. علوم الحديث للإمام أبي عمرو بن الصلاح ص11، ط دار الفكر المعاصر – لبنان، دار الفكر – سوريا.

10. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ج1 ص5.

11. صحيح البخاري – حديث رقم: 4274. 12. سورة التوبة – آية: 100.

زر الذهاب إلى الأعلى