أدعياء التنويرالشبهات والردودالمقالاتشبهات حول السنةشبهات حول الصحابةشبهات وردود

النبيَُ ﷺ وأصحابه – رضي الله عنهم – لا يعرفون عِلْم التَّخريج!

(48) زعم البحيري: أنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابه – رضي الله عنهم – لا يعرفون عِلْم التَّخريج.

– الرَّدّ: في نِقاطٍ كالتَّالي:

أولًا: عِلْم التَّخريج هو: العِلْم الذي يهتمّ بحديث رسول الله ﷺ سَنَدًا وَمَتْنًا، أي رِوَايةً ودِرَايةً، ويعزُو هذه الأحاديث إلى مصادرها الأصليّة، ويحكُم عليها، ويُبيِّن درجتها.

وهُنا تتجلَّى الابتسامات وتعلو الضَّحِكَات؛ حيث أنَّ البحيري يُريد من رسول الله ﷺ أنَّ يقول الحديث، ثمَّ يقول هل هو صحيح أم ضعيف، وفي أي كتاب هو! – ابتسامة -، لكنَّه الجَهْل يفعل بأصحابه أكثر من هذا.

ولهذا نَعْلَم أنَّ عِلْمَ التَّخريج وُضِعَ للأجيال التي أَتَتْ بعد النبيِّ ﷺ لتَعْلَم صِحَّةَ نِسْبَةِ الكلامِ إلى النَّبيّ ﷺ من عدمه، والاستيثاق من ذلك.

ثانيًا: الاستيثاق من المعلومات أمرٌ فِطْريٌّ، والله – عز وجل – أمرنا به في كتابه حيث قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].

وقال تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2].

ثالثًا: هو زعم أنَّ الصَّحابة ╚ لا يعلموا شيئًا عن عِلْم التَّخريج، وهذا طبعًا كذب، وممَّا يدُلُّ على أنَّهم على عِلْمٍ بذلك ما رواه الإمام «مُسلم» في «صحيحه»1: [عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُولُ: «كُنْتُ جَالِسًا بِالْمَدِينَةِ فِي مَجْلِسِ الْأَنْصَارِ، فَأَتَانَا أَبُو مُوسَى فَزِعًا أَوْ مَذْعُورًا»، قُلْنَا: «مَا شَأْنُكَ؟»، قَالَ: «إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ، فَأَتَيْتُ بَابَهُ فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَرَجَعْتُ»، فَقَالَ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا؟»، فَقُلْتُ: «إِنِّي أَتَيْتُكَ، فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلَاثًا، فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ»، فَقَالَ عُمَرُ: «أَقِمْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ، وَإِلَّا أَوْجَعْتُكَ»، فَقَالَ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لَا يَقُومُ مَعَهُ إِلَّا أَصْغَرُ الْقَوْمِ، قَالَ: أَبُو سَعِيدٍ: قُلْتُ أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ، قَالَ: فَاذْهَبْ بِهِ.]

وروى «مُسلم»2 أيضًا: [عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ، فَجَاءَ بِسَوَادٍ كَثِيرٍ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ»، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، قَالَ عُرْوَةُ: «فَقُلْتُ لِأَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟»، فَقَالَ: «مِنْ فِيهِ إِلَى أُذُنِي».]

وهذا دليلٌ على أنَّ الصَّحابة ╚ كانوا يتأكَّدون أوَّلاً من صِحَّة نِسبة الأقوال للنبي محمد ﷺ قبل أي شيء، فمبادئ عِلْم مُصطلح الحديث، وعِلْم التَّخريج، عقلية، وبديهية، ومعروفة قديماً.


([1]) صحيح: رواه مسلم في «صحيحه» رقم (2153).

([2]) صحيح: رواه مسلم في «صحيحه» رقم (1832).

زر الذهاب إلى الأعلى