أدعياء التنويرالشبهات والردودالمقالاتشبهات حول القرآنشبهات عقائديةشبهات وردود

الإنجيل غير مُحرَّف بنصِّ القرآن (1)!

(19) زعم البحيري: أنَّ الإنجيل غير مُحرَّف، مُستشهدًا بقوله تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47]، وأنَّ الله – سُبحانه وتعالى – قال لهم: «أرجوكم احكموا بالإنجيل»، وأنَّ سِيَاقَ الآيات يَدُلُّ على ذلك.

– الرَّدّ: وهذا جهلٌ فاضِحٌ للآتي:

أولًا: نُورد هُنا ما سَبَق في الشُّبهة الماضية مِن رَدٍّ.

ثانيًا: الله – سُبحانه وتعالى – لا يرجو أحدًا، ومن اعتقد هذا فَقَدْ كَفَرَ بالله العظيم.

ثالثًا: قبل أنْ نرُدّ على هذا، نطلب من البحيري أن يقرأ الآية التي قبلها وهي: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [المائدة: 46].

فالمقصود هُنا إنجيل المسيح عيسى بن مريم – عليه السلام -، والسُّؤال: هل النَّصارى عندهم إنجيل عيسى أو إنجيل المسيح؟ نتحدَّى البحيري أن يأتي بذلك، إنَّما عندهم أربعة أناجيل وهي: «متى» و «لوقا» و «مرقس» و «يوحنا».

والإنجيل المقصود في القرآن الكريم وهو الذي أنْزَلَ اللهُ فيه بشارة عيسى ببعثة نبينا محمد ﷺ: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الصف: 6].

فعلى البحيري والنَّصَارَى الذين يقولون بقوله أن يستخرجوا لنا نصَّ هذه البشارة من كتابهم، فإن استخرجوها، سَلَّمْنَا لهم بِصِحَّة قولهم في هذه المسألة، وفي نفس الوقت وَجَبَ عليهم أن يؤمنوا بهذا النَّبيّ العظيم الذي بَشَّرَ به عيسى – عليه السلام -، ويلزم البحيري من ذلك الحُكم على هؤلاء النَّصارى بالكُفْر لعدم إيمانهم بهذا النَّبِيِّ الذي يعترفون أنَّ كُتُبهم بشَّرت به.

وإن لم يستخرج البحيري والنَّصارى هذه البشارة مِن كتابهم فقد بَطَلَ قَولُهم وَسَقَطَتْ حُجَّتُهُم وطاش دليلهم.

ونقول له: نحن نُوافقك على أن يحكموا بما أنزله الله في الإنجيل الحقّ، وممَّا أنزل الله فيه الإيمان بالنَّبي محمد ﷺ كما في الآيات الثلاثة الآتية، فإن لم يفعلوا ذلك فقد فسقوا وكفروا؛ لأنَّ الفِسْق هُنا هو الفسق الأكبر بمعنى الكُفْر، وهذا يأتي في القرآن كما في قول الله – تعالى – في فرعون وقومه: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ} [الزخرف: 54 – 56].

وقوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [السجدة: 20].

وقوله سبحانه: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 33].

فنحن نؤمن بالإنجيل الذي قال الله – عزَّ وجلَّ – عنه: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157].

وقال الله تعالى {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الصف: 6].

وقال الله تعالى {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29].

فأخرجْ ذلك لنا مِن كُتُب النَّصارى ونحن نُصدِّق على قولك.

ثمَّ إنَّ الآياتِ التي بعدها تدُلُّ دلالةً قاطعةً على الاحتكام مِن الجميع لما أُنزل على النبيِّ محمدٍ ﷺ فقط دون غيره، فقال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 48 – 50].

رابعًا: إذا كان كتاب النَّصارى غير مُحرَّف، فكيف يُوفِّق بين الآتي؟!

كتاب النَّصارىكتاب المُسلمين
المسيح صُلِب{وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: 157]
  المسيح ابن الله{وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30]
سيدنا سليمان – عليه السلام- كَفَرَ{وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 102]
استراح الله بعد خلق الأرض{وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} [ق: 38]
سيدنا داود – عليه السلام- زنا{وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 17]
سيدنا لوط – عليه السلام- زنا مع بناته{وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 86]
عندهم الإله = خروف{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91]

…. وغير ذلك الكثير موثقًا بالمصادر والنُّصُوص الكتابية.1.


([1]) للمزيد: راجع كتاب «مَن كَتَبَ التَّوراة؟» تأليف الأستاذين: مُعاذ ومحمود عِليان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى